اراء وتعليقات

تقديم الناشر لمجموعة قصص بقايا العمر

يقول بعض المفكرين، إن الخيال والتجربة والمعرفة هي ”المناجم“ الثلاثة الكبرى لأي إبداع أدبي، ولكن يتميز كل إبداع حسب نوع ”الخامة“ التي يعثر عليها المبدع في مناجمه الخاصة، وحسب طريقته في استخلاصها، وحسب أسلوبه في تكوين سبيكته، بعد أن يمزجها باللغة، لغته الخاصة، لتكون السبيكة هي أيضا البوتقة في آن واحد، ولتكون متهيئة لتلقي نفخة البمدع فيها من أنفاس روحه لكي تدب فيها الحياة في ذات لحظة التشكل النهائي للمخلوق/الإبداع الجديد.

فأي نوع من الحياة يتحرك في إبداع هذا الكاتب المغترب، فيكتسب إبداعه لون الذكريات الشجي، وطعمها المالح عندما يذوب في بوتقتها- حتى الانصهار- ما كان في زمانه خيالا أو تجربة أو معرفة… هل تفرض الغربة الطويلة على المبدع نوعا بذاته من الإحساس بالزمن، حيث تقيم فواصل التجربة سدودا بين أمواج تيار الزمن العام المتدفق ليصبح زمنا خاصا، شخصيا، منتسبا إلى عصور متعازلة متعارضة؟ أم تفرض الغربة نوعا من اللغة بذاته، كما تفرض على الخيال استحضار- أو تخليق- أنواع بعينها من التجارب والناس واللحظات المثقلة: كأنما ليصبح الإبداع ”بيتا“ للمبدع، ولنا، نحتمي فيه من ”حقيقة“ ضياع الواقع الأصلي، الذي لم يعد، ولم يبق، وبيتا نصنعه من سبيكة اللغة والخيال والتجربة والمعرفة، إذ ينفخ فيه مبدعه روح الحنين؟

وفتحي أبو رفيعة، المصري المغترب في الأمم المتحدة بنويورك منذ سنين، يبدو أنه وإن كان قد اغترب، فإنه لم يبتعد.. كيف يبتعد عما- يحمله- كنزا- وليس منجما- في قلبه، ويهدينا هنا بعضا منه.

مختارات فصول (99)

الهيئة المصرية العامة للكتاب 1995

تقديم لكتاب تفكيك الرواية
بقلم الاستاذ سامي خشبة
الرواية والنقد والواقع

تؤكد لنا المراجعة المدققة للإنتاج الإبداعي الأدبي الآن- سواء في مصر أو في ما يمكن ملاحقة إنتاجاته من أنحاء العالم ولو بمعرفة العناوين وحدها- تؤكد لنا هذه المراجعة أن الإبداع الروائي يحتل المكانة الأولى في هذا الإنتاج، ليس فقط من ناحية كميته، وإنما- أساسا- من حيث ”احتوائه“ على غالبية القضايا والظواهر والتيارات التي يشهدها ”عصرنا“ في تدافعاتها وتفاعلاتها، وحتى في عودتها- أحيانا كثيرة- إلى التشتت – أو التفكك- ثم عودتها- مرة أخرى- إلى التفاعل والتدافع في تموجات وفي تركيبات لا تني تتجدد وتتغير جلودها (ودلالاتها) بإيقاع شديد التسارع وبالغ التعقيد.

الرواية- في عدد لا يمكن حصره بسهولة في هذا التقديم- من الأساليب والقوالب والتراكيب- هي ”النوع الأدبي“ الأقدر- ليس فقط على احتواء قضايا وظواهر وتيارات هذا العصر الموار بالتغير- اجتماعيا وجغرافيا وسياسيا وفكريا- في كل ثقافات العالم دون استثناء- وفي كل الاتجاهات المحتملة للتغير. وإنما هي- أيضا- النوع الأكبر قدرة على ”التشكيل“ بواسطة اللغة (الرئيسية/الطبيعية من لغات التعبير الإنساني: اللغة التي تجمع بين الكلام والكتابة، بين التفكير المنطقي والخيالي، وبين الإنشاء والتصور، وبين التجريد والتجسيد).

إن تشكلات ”النوع الروائي“ (النصوص؟) وقدرته على استيعاب الواقع (إذا استخدمنا هذا المصطلح القديم المبين) هما ما يجلي للقارئ أن المؤلف- الأستاذ فتحي أبو رفيعة- وهو نفسه قاص مجدد قدير ومرهف- قد استجاب بوعي لهما، أو لنقل إنه استجاب لندائهما القوي المسموع، لكي يقوم بأحد أكثر واجبات العملية النقدية أهمية: واجب ”تفكيك الرواية“ من ناحية، بعد أن يختار الروايات (النصوص)- من ناحية أخرى- التي رآها أكثر من غيرها- في حينها- قدرة على التشكل المتوائم مع تشكلات ”الواقع“ المصري المتدفق بالقضايا والظواهر والتيارات (بالتغيرات) وأكثر من غيرها قدرة على كل من احتواء تلك المتغيرات والإفصاح عن رؤى أكثر من غيرها نضجا، وأكثر تحملا لمسئولية الإبداع الأصيل، وأكثر استشرافا لآفاق من المعنى في ذلك الواقع المتغير، وفي ”خيال/فكر“ كل مبدع، وفي ”خيال/فكر“ الناقد ذاته.

الاختيار النقدي يأتي أولا، تتلوه القراءة الكاشفة لكل من علاقات عناصر ”النص“ ودلالته الكلية (دلالاته المتراكمة، المشتتة، في ”أركان“ النص وجوانبه، ولكنها، الموحدة، في بنيته العامة، في الوقت نفسه.

غير أني أود أن ألفت انتباه القارئ إلى علامتين في هذا الكتاب: أولاهما هي المتعلقة بـ ”ترتيب“ فصول الكتاب: الذي التزم بالترتيب الأبجدي لأسماء المؤلفين، وفي اعتقادي أن هذا الالتزام يعكس إدراكا ناضجا من جانب فتحي أبو رفيعة لطبيعة كل من: ”الواقع“ الذي تتعامل معه النصوص الروائية المختارة والنصوص النقدية، بالتالي، التي يحتويها الكتاب: إنه واقع متعدد الوجوه، ربما بلا نهاية، يستكشف كل نص روائي وجها واحدا منها، وليست هناك وسيلة- ولا ”منهج“ تستطيع أو يستطيع أن يشير إلى أحدها (أحد هذه الوجوه) قائلا إنه الوجه الأول، أو أنه البداية الصحيحة الصالحة لأن تكون ”الباب“ المؤدي إلى عالم – كل عالم – هذا الواقع المتعدد الوجوه والأبواب، فلا بد- بالتالي – من ترتيب يتيح لبنية الكتاب (النص النقدي) أن تتعدد أبوابها- أيضا- وأن تتعدد ”بداياتها“ تماما مثلما هو ”الواقع“ الملهم، ومثلما هي النصوص الروائية المختارة ذاتها.

أما العلامة الثانية، فتتعلق بكل من عنوان الكتاب (تفكيك الرواية) ومنهج ”التفكيك“. ودون الدخول في تفاصيل بعيدة عن مثل هذا التقديم، نكتفي بقول إن ”التفكيك“ الذي يعتمده فتحي أبو رفيعة في نصه النقدي المبين، ليس هو المنهج التفكيكي الذي يشير به مفكرون ونقاد كبار في الغرب الآن، إنما يقدم فتحي أبو رفيعة أسلوبه الخاص في تفكيك النص الروائي، وهو أسلوب قوامه هو تقديم تحليلات دلالية/بنائية تمهد للقارئ (هل أقول: إنها تساعد القارئ) أن يبحر في عوالم ستة عشر ”نصا“ روائيا لعشرة من الروائيين المصريين الكبار ينتمون إلى ثلاثة أجيال متتابعة ومتزامنة، ولكنهم- جميعا- يخوضون تجربة احتواء واقعنا الموار بالتغير- في حاضره ومستقبله، وفي- حتى- إعادة سرد وتركيب ماضيه، وإدراكه.

إن النص النقدي الذي كتبه فتحي أبو رفيعة، نص يسعى لتوسيع أفق قراءة النص الروائي، باستكشاف ما عناه كل مؤلف من ”دلالة“.. دون أن يسعى- كما يسعى أصحاب منهج التفكيك ”المذهبي“ في الغرب- إلى إزاحة المؤلف أو ”قتله“، أي دون أن يزيح النص الروائي ورؤية صاحبه، لمصلحة النص النقدي ومنهج صاحبه.. ولذلك فإنني مقتنع بإمكانية أن يصاحب هذا الكتاب (النص) الكتب التي كتب عنها واستكشفها، وأن يرتبط به القارئ في ذات القراءة والمكان.

الاستاذ سامي خشبة