تمثل سنوات التكوين بالنسبة لأي مبدع نبعا لا يغيض. وشكلت أعمال المبدعين التي تستند إلى تلك السنوات علامات بارزة في تاريخ الأدب العربي والعالمي. ولعل العنوان الأشهر في مثل تلك الأعمال هو ”صورة الفنان في شبابه“ الذي حملته رواية جيمس جويس التي تحتل مكانة بارزة بين أعماله بوجه خاص وبين التراث الأدبي العالمي بوجه عام. هذا العنوان ”العام“ يمكننا أن نطلقه على أعمال أدبية كثيرة انطوى مضمونها على التعبير عن سنوات التكوين تلك، من الطفولة المبكرة إلى شرخ الشباب، بصرف النظر عما قد تتخذه هذه الأعمال من صفة السيرة الذاتية إذا اكتمل السرد فيها لكي يغطي حياة كاتبها كاملة.
”حكايات أمينة“ لمؤلفها حسام فخر، متتالية سردية في عدة لوحات أو حكايات تندرج في إطار هذه النوع من القصّ، وتصحب القارئ إلى سنوات تكوين الراوي منذ لحظة الميلاد حين وصل المولود متأخرا عن موعده شهرا بأكمله، وبعد آلام مخاض استمرت ستا وثلاثين ساعة، وتتلقفه جدته أمينة في حضنها الدافئ، ويحكي الراوي نقلا عنها: ”تقسم لي جدتي أنني في تلك اللحظة نظرت مليا في عينيها وابتسمت ابتسامة مضيئة، ومددت يدي الصغيرة لأداعب شعرها الأبيض الخفيف، وتقول والدموع في عينيها إنها قبَّلت يديَّ وهمست في أذني: نورت الدنيا يا نور عيني.“
في ذلك اليوم تولدت بين الراوي والجدة ”حكاية حب من أول نظرة“ وهو عنوان إحدى حكايات هذه المتتالية السردية. وسيعيش القارئ، مع الراوي ومن خلاله، هذه الحكاية التي امتدت على مر السنين إلى أن يبلغه النبأ الحزين في غربته ذات صباح: ”جدتك، تعيش أنت. البقية في حياتك. أراحها الله من مرضها الأخير المؤلم والمهين.“
ومثلما كانت لحظة الفراق صادمة ومؤلمة بالنسبة إلى الراوي، سيشعر القارئ بنفس الصدمة ونفس الألم بعد أن استطاع الراوي أن يغرس في نفسه حب هذه الجدة العظيمة التي ”منَّ عليها سبحانه بالعمر الطويل والذكاء ومحبة الناس.“
حكايات الجدة أمينة منجم زاخر بالتراث والوطنية والانتماء. فالجدة تفتحت مداركها منذ الطفولة على ثورة سعد باشا وتشربت بمبادئها ودعواتها: ”نموت نموت ويحيا الوطن؛ عاش الهلال مع الصليب؛ يحيا سعد؛ يحيا الوطن.“ تحكي أمينة لحفيدها أنها تمكنت من أن تعلم ببغاءها هذه الهتافات، وأن الجرأة واتتها وذهبت إلى بيت الأمة حيث أهدت الببغاء إلى زعيم الثورة.
تمتزج في ”حكايات أمينة“ حكايات الجدة إلى حفيدها، وحكايات الراوي عن جدته. حكايات الجدة معين زاخر بالحكايات عن الخيول والأفيال والقطط وروبن هود وفرسان الدائرة المستديرة، وعن زيارات آل البيت، وعن موسيقى الموت الإلهية التي تسبق صعود الروح إلى بارئها. أما حكايات الحفيد/الراوي، أو بمعنى آخر تدخلاته أو تعليقاته على حكايات الجدة، فهي ومضات مشبعة بالنوستالجيا والاغتراب والشجن.
يحكي الراوي أنه كتب أولى قصصه في سن السابعة، وأعطاها لجدته، فقرأت على رأسه سورة يوسف ويس والسبع آيات المنجيات ورقته من الحسد وشر العيون. كانت سورة يوسف أول هدية أعطتها الجدة للراوي. علمته حسن القراءة والنطق: قل بهدوء:”فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون.“ عبَّر لها عن حبه لهذه السورة الكريمة. قالت: إن شاء الله بكرة تكبر ويرزقك بصبي وتسميه يوسف.
وسوف تمر السنين، وفي عيد ميلاد الراوي الحادي والعشرين، تهديه جدته علبة مزينة بالصدف تضم كل قصصه التي كان قد كتبها في سن السابعة. ”طرت فرحا بهديتها الثمينة التي، للأسف، لم أعرف كيف أصونها.“
في مقطوعة ختامية يعلن الراوي عن ميلاد يوسف. يقول لزوجته بعد أن شاهدا جنينهما عند الطبيب: اسم يوسف هديتي الثمينة لجدتي. حسام فخر، الذي سجل في روايتين صدرتا له حديثا، هما ”وجوه نيويورك“ و ”يا عزيز عيني“، الأحداث التي هزت العالم في الحادي عشر من سبتمبر، وصراعات الاغتراب والهوية، يعود في عمله الأخير إلى زمن البراءة بعيدا عن أهوال العصر الراهن، كما يعكسها كل ما هو مقروء ومرئي في حياتنا الراهنة، كي يرسم في هدوء واقتدار لوحة جميلة للفنان في طفولته.