ايريس ميردوك
رحلة الوجود والتفلسف والمجد

أعتقد أنه أهون علي أن أتخلي عن حياتي طواعيه علي أن أتخلي عن عقلي‏.‏ جاءت هذه العباره علي لسان أحد ‏أبطال الروائيه البريطانيه الفذه أيريس ميردوك‏،‏ التي توفيت في فبراير الماضي عن عمر ناهز الثمانين عاما‏،‏ ‏وبعد حياة حافلة بالابداع الادبي والفكري والفلسفي‏،‏ قدمت فيها ‏26‏ رواية وعددا من المؤلفات الفلسفيه‏،‏ ‏ومجموعه شعريه‏،‏ فضلا عن كتاباتها النقديه والفلسفيه في مختلف الدوريات العالميه‏. ولكانما تكهنت ميردوك ببصيره عراف إغريقي بمصيرها ونهايتها المحزنه القاتمه‏.‏ فقد أصيبت في سنوات ‏عمرها الأخيره بداء الزايمر‏( داء النسيان أو خرف الشيخوخه‏)،‏ فأصبح كل إنجازها‏،‏ بالنسبه إليها نسيا منسيا‏.‏ ‏وقد صور زوجها هذه المأساه في كتاب صدر قبل بضعه أشهر من وفاتها بعنوان مرثيه ايريس‏.‏ وقد جاء الكتاب ‏دره في السيره الادبيه خاصه ان زوجها‏،‏ جون بيلي‏،‏ هو نفسه من المع النقاد البريطانيين البارزين‏.‏ وقد حكي في ‏تلك السيره عن عذاب ميردوك وعذابه الشخصي وهما يعيشان معا تجربه غيابها عن العالم وهي بعد علي قيد ‏الحياة‏،‏ وقدم صورة بالغة الصدق والالم عن صعود ايريس وسقوطها‏،‏ صعودها الي المكانه الادبيه المرموقه التي ‏بلغتها‏،‏ وسقوطها في هوة النسيان وفقد الذاكرة حيث تحولت‏،‏ كما يقول‏،‏ الي طفله بالغة الرقة لايتجاوز عمرها ‏ثلاثة أعوام‏،‏ تحتاج الي من يطعمها ويعتني بها ويغير لها ملابسها‏.‏ هي ايريس وقد اشتدت عليها وطأه المرض ‏فكانت تخرج الي الشارع لا يشغلها شيء سوي التقاط النفايات او قطع الاحجار الصغيره او اوراق الشجر او ‏حتي اعقاب السجائر‏.‏ وكانت تعود الي البيت تجلس امام ما جمعته من بقايا‏،‏ تلمسها باناملها‏،‏ وترتبها‏،‏ وتتاملها في ‏صمت لا يدري كنهه احد‏.‏ وها هي ميردوك في اواخر ايامها يقترب منها قراؤها يحملون مؤلفاتها ويطلبون منها ‏ان توقع لهم عليها باسمها فتفعل ذلك دون ان تدري ماذا وراء كل ذلك‏.‏ ولان الزمن‏،‏ بالنسبه الي مريض داء ‏النسيان‏،‏ يفقد شكله التقليدي ويتوقف عن التقدم‏،‏ كما يقول بيلي‏،‏ فانه يصبح احد عوامل القلق‏.‏ وكانت ميردوك ‏تعبر عن هذه الحاله بقولها بانها تشعر انها تبحر في الظلام‏،‏ وبسوال دائم يتردد علي لسانها‏:‏ متي سنرحل؟‏وهي ‏لا تدري ماذا يعني السوال او الي اين الرحيل‏. ‏ ولدت ميردوك في‏15‏ يوليو 1919،‏ ونشرت اول اعمالها‏،‏ وهو كتاب عن جان بول سارتر بعنوان سارتر‏:‏ ‏الرومانتيكي العقلاني‏،‏ في عام‏1953.‏ وربما كان هذا العمل هو الذي حدد منذ البدايه الشكل الذي اتخذته اعمال ‏ميردوك في رحله انجازها العظيم‏،‏ وهو شكل الروايه الفلسفيه التي اصبحت سمتها المميزه‏.‏ وفي عام‏1954‏ ‏نشرت اولي رواياتها بعنوان "تحت الشبكة"‏.‏ وخلال الاعوام التاليه كان لميردوك حضور طاغ علي الساحه ‏الادبيه في بريطانيا‏،‏ وحتي عام‏1993،‏ كانت قد نشرت‏ 26 رواية‏.‏ وعلي مدي اكثر من‏40‏ عاما، اثبتت ميردوك ‏مكانتها كواحده من ابرز فلاسفه القرن العشرين وروائيه غزيره الانتاج والفكر‏.‏ وخلال العشرين عاما الاخيره ‏حظيت ميردوك باسمي صور التكريم وطنيا ودوليا‏.‏ ففي عام‏ 1987 حصلت علي جائزه بوكر البريطانيه ‏الشهيرة عن روايتها "البحر‏..‏ البحر"‏،‏ واصبحت عضوا في الاكاديميه الايرلنديه‏،‏ والاكاديميه الامريكيه للفنون ‏والاداب‏،‏ والاكاديميه الامريكيه للعلوم‏،‏ وزميلة بكلية سانت آن بجامعة اوكسفورد‏،‏ التي تخرجت منها في ‏عام‏1942‏ ودرَّست فيها بعد ذلك‏،‏ ومنحتها اوكسفورد درجه الدكتوراه الفخريه في الآداب‏.‏ وحصلت ميردوك ‏علي اعلي الاوسمه البريطانيه من قبيل وسام الامبراطوريه البريطانيه‏،‏ ووسام المدافعة عن الامبراطوريه ‏البريطانيه‏،‏ وعلي لقب دام المقابل للقب السير‏. ‏ واذا كان هناك يقين بان ميردوك لم تنل كل ما تستحقه من تقدير‏،‏ وهو امر لم تكن هي نفسها تعيره اي اهتمام‏،‏ ‏فان نظرة الي الوراء الآن‏،‏ وقد غابت ميردوك عن الساحة بعد صمت مرير استغرق أعواما من العزلة ‏والمكابده‏،‏ انما تبين الي أي‏مدي كانت ميردوك نفسها تعبيرا عن فكرها وعن قضاياها المدافعة عنها في ‏رواياتها‏،‏ وهي البحث عن منظومه اخلاقيه اساسها الحب والحقيقه والخير‏.‏ واعتبرت ميردوك اننا في حاجه الي ‏مفاهيم اكثر مما تتيحه لنا الفلسفه‏،‏ وان الحب هو الذي يشكل الافراد‏،‏ وهو التجسيد الصعب لدي الفرد بان هناك ‏ما هو اهم من فرديته‏.‏ ولذلك فقد هاجمت ميردوك الليبراليه الحديثه باعتبارها اساسا فاشلا لقيم الحب والخير‏.‏ ‏وفي رواياتها نجد حشدا كبيرا متنوعا من الشخصيات والطبقات الاجتماعيه التي تبرهن بكل الطرق علي فشل ‏الانسان الحديث في مواجهه الواقع والهروب الي عوالم خياليه والعجز عن التواصل بين الناس ومعرفة بعضهم ‏البعض كأفراد وليس ككائنات مجرده‏.‏ ان فشل الانسان الحديث في التعرف علي الترابط القائم بين الجمال ‏والفلسفه الاخلاقيه والحقيقه والواقع هو من وجهه نظر ميردوك فشل اخلاقي وهو الذي يؤدي الي انعدام التواصل ‏بين البشر‏‏ وركزت ميردوك في رواياتها علي الطابع الطاريء والزائل للحياه‏،‏ ورأت أن ذلك هو سر قلق الانسان الحديث ‏وهلعه‏.‏ فحياه المرء اليوميه حافلة بما يذكره دائما بعجزه عن توجيه دفة امور حياته‏،‏ وهذا ما يدفع به الي حالة من ‏القلق وعدم الاستقرار‏.‏ ومع ذلك‏،‏ فان ميردوك تري ان الاحداث الطارئه التي تقع في حياتنا ليست في واقع الامر ‏طارئه لكنها جزء من نسيج هذه الحياه وتركيبتها‏.‏ والحياه علي لسان احد ابطال ميردوك بشعه‏،‏ يعوزها البعد ‏الميتافيزيقي‏،‏ ويدمرها المصادفه والالم واحتمالات الموت القريب‏وقد كان من المشاكل التي واجهتها مع النقاد عدم امكانيه تصنيفها‏.‏ فقد ذكر انها لم تكن من رواد الحداثه او ما ‏بعد الحداثه‏،‏ وعابوا عليها ايضا انها‏،‏ ككاتبه‏،‏ لم تتبن قضايا المرأة وتدافع عنها‏،‏ وقيل كذلك إنه علي الرغم من ‏اعجابها الشديد برواية القرن التاسع عشر فان رواياتها لا يمكن اعتبارها روايات تقليديه‏.‏ لكن ميردوك اعتبرت ‏مفكره‏،‏ ومبدعه للرواية الفلسفيه أو رواية الافكار‏،‏ وفيلسوفة استطاعت ان تطرح في رواياتها مناقشات فكرية ‏استهدفت وضع اساس للحقيقه والخير والحب بين بني البشر‏.‏ وقد جعل ذلك من روايات ميردوك عالما حافلا ‏بالشخصيات والافكار والاحداث المركبة والمتشعبه‏،‏ واصبح الفهم الكامل لاعمالها يتطلب معرفه واسعه بالادب ‏والفلسفه والتاريخ والفن والموسيقي وعلم النفس وغير ذلك من اشكال المعرفه‏.