طوق الحمامة

مادا تبقى لك؟ ماذا ‏تبقى لك؟" تردد ‏رجع التساؤل في ‏ذاكرته المثقلة، ‏واختلطت في مخيلته ‏مشاعر جياشة ‏بحنين جارف وتذكر ‏ملتاع، وانتابه ‏شعور يقيني ‏بالإحباط والفقد ‏واللاجدوى،. وكانت ‏الطائرة تدور ‏دورتها الأخيرة قبل ‏أن تحط به في

مطار ‏تلك المدينة العتيقة. ‏وشعر بغصة. هل ‏تهرم المدن كما ‏تهرم القلوب. وهل ‏يقوى فى القلب وفى ‏الفؤاد عبق الزمان ‏وعبق المكان مثلما ‏يقوى الشجن في ‏أعماق النفس ‏المكلومة. كيف لم ‏تفارق مخيلته ‏شوارع هذه المدينة ‏التي عاش فيها منذ ‏قرابة خمسين عاما؟ ‏وكيف كان للذكريات ‏تلك القوة الآسرة ‏التي جذبته إليها ‏جذبا رغم يقينه بأنه ‏لم تعد تربطه بها أي ‏صلة؟ وتدافعت في ‏عقله ذكريات ماض ‏بعيد حينما جاء إلى ‏هذه المدينة دارسا ‏شابا في سني العمر ‏الأولى، يدفعه ‏الطموح وفوران ‏الصبا. وقال لنفسه ‏في

مرارة :" أكان ‏لابد من هذه الرحلة ‏المقبضة؟" لكنه ‏كان يدرك في قرارة ‏نفسه أن الدافع ‏الحقيقي وراء ‏رحلته لم يكن سوى ‏رغبة في لقاء رفيق ‏قديم والبحث عن ‏آثار عشق كان لا ‏يزال له في قلبه ‏مكان

في بهو الفندق كان ‏ينتظر صديق ‏الماضي. ونظر ‏حواليه. "ياشارع ‏الحنين ضيعنا ‏الهوى …". كانت ‏عشرات السنين قد ‏مرت على تلك الأيام ‏المجيدة في

الخمسينات الأولى. ‏شباب من عالم ‏تنحسر عنه موجة ‏الاستعمار القديم. ‏يلتقون. يتأججون ‏حماسة ووعيا. ‏تلتهب حواسهم وهم ‏يسمعون على البعد ‏صوت الزعيم ‏والوطن ريشة في ‏مهب الريح: أيها ‏المواطنون، لقد ‏فرض علينا القتال. ‏لكن باسم شعب ‏مصر، باسمكم انتم، ‏أعلن للعالم أجمع، ‏أنه لن يوجد من ‏يفرض علينا ‏الاستسلام." كانت ‏صرخته على منبر ‏الأزهر في 56 نذيرا ‏لم يتنبه له أحد، ‏حتى هو، بأن قوى ‏البغي التي سيطرت ‏على المنطقة دهورا ‏طويلة كانت لا تزال ‏ترفض أن تموت، ‏وأنها ستعود من ‏جديد متجسدة في ‏شكل تنين متلون ‏ومعزز بكل ضروب ‏التطور. وكان ما ‏كان، وما سيكون

هاهو اليوم يعود إلى

المدينة التي جمعت ‏رفاق الشباب،

وحيدا إلا من ‏ذكريات معتقة وقلب

مثقل بهموم عمر ‏طويل سقيم، وأسئلة ‏ملحة تتردد في ذهنه ‏المرهق

الزمان، وسبقتك ‏الأحداث، وما ‏أحسبك ستحاضر ‏اليوم فيما حاضرت ‏به حينما جئت إلى ‏هذه المدينة في ‏زمانك الغابر. فماذا ‏تبقى لك؟ ماذا تبقى ‏لك؟

وكان بصرها يتعلق ‏به وهو يروي في ‏تبتل آسر فتح ‏الأندلس على يد عبد ‏الرحمن ‏الداخل.زهرة ‏أوروبية طاغية ‏الإشراق. في اللحظة ‏التي وقعت فيها ‏عيناه عليها وهى ‏تركز بصرها على ‏شفتيه وحركات يديه ‏أدرك أنه لن يقاوم. ‏وحينما دعاها إلى ‏العشاء قبلت ‏بطفولية أذهلته لأول ‏وهلة. لكنها حينما ‏مثلت أمامه فى ذلك ‏المطعم الأندلسي ‏الأنيق تجسدت له ‏كحواء الأولى: ‏حواء الغواية، ‏والسقوط، هيلين ‏طروادة، هذا الدم ‏الغريب وهذا السحر ‏الطاغي الذي لا ‏يرحم

نظر إليها بعد أن ‏أفرغت له كأسا آخر ‏من النبيذ الإسبانى ‏المعتق: " أتعرفين ‏ماذا يعنى إسم هذا ‏المكان؟" مدت يدها ‏إلى منفضة التبغ ‏التي تتوسط المائدة ‏والتقطت منها علبة ‏ثقاب تحمل اسم ‏المطعم الذي كتب ‏على أحد جانبي ‏العلبة بحروف ‏عربية وعلى الجانب ‏الآخر بحروف ‏لاتينية، وقالت له ‏وهى تنطق الإسم ‏العربي بعفوية ولكن ‏بلكنة أجنبية غير ‏واثقة ومتسائلة

ـ المكتوب؟

كانت لا تزال ترمقه ‏بنظرة متسائلة: ‏ربما عن كيفية ‏نطقها للإسم، وربما ‏عن معناه. ونظر هو ‏في عينيها. في ‏ضراعة وتوسل ‏تحسس شعرها ‏الطويل المنسدل ‏على كتفيها في ‏انتظام دقيق. تحولت ‏نظرتها المتسائلة ‏إلى نظرة تنم عن ‏التوجس والترقب

انسابت إلى سمعه ‏دندنات على نغمات ‏العود: "مولاي ‏وروحي

في

يده، قد ‏ضيعها سلمت يده." ‏تناول يدها الدافئة ‏المنسابة البضة. ‏رفعها إلى شفتيه. ‏قبلها بحنان شديد. ‏كيف أنقل لك ما ‏تعنى الكلمات: ‏روحي في يدك. نعم. ‏هو المكتوب. هكذا ‏كان اسم ذلك المكان ‏الفريد الذي اعتاد ‏الرفقاء ارتياده ‏صباح مساء حتى ‏أضحى كناد لهم ‏يتحاورون فيه ‏ويسمرون إلى أن ‏تفرقت بهم السبل ‏كل في طريق

لا يدرى ماذا حدث ‏ليلتها على وجه ‏التحديد

وهاهو بعد ‏كل تلك السنين ‏يحاول استرجاع ‏ذكريات تلك الليلة ‏التي تتناثر شذرات ‏من أحداثها في ‏أعماق وعيه كأنها ‏لوحات باهته أو ‏مغرقة في

الظلمة. ‏ومهما حاول أن ‏يربط بينها تداخلت ‏في بعضها البعض ‏وتحولت إلى تكوين ‏سريالى أكثر إغراقا ‏في القتامة ‏والغموض

حينما ‏توقف بسيارته أمام ‏منزلها بعد سهرة ‏طويلة وصاخبة ظن ‏أنه بذل فيها كل ‏شيء من أجل ‏إرضائها كانت ثائرة ‏ودامعة العينين. ‏وقال لها

ـ ها أنت ‏تتصرفين كطفلة

صرخت فيه ‏قائلة

ـ كنت أعلم ‏أنك ستقول ذلك

ـ ألست ‏محقا؟ انفجرت في ‏البكاء، وصاحت ‏قائلة في لهجة ‏يختلط فيها ‏الاستعطاف واللوم ‏والاستنكار

ـ ولكنى ‏وثقت بك

وفتحت باب ‏السيارة، واندفعت ‏إلى خارجها. وفى ‏لحظة كانت قد ‏توارت من أمامه ‏وابتلعها المبنى

كاللطمة ‏كانت صرختها. ‏وكأنما أفاق من ‏غيبوبة طويلة، ‏وراح يسترجع ‏أحداث الليلة الحافلة ‏محاولا أن يضع يده ‏على سبب ثورتها. ‏لكن رأسه كان مثقلا ‏عاجزا عن التفكير ‏في شيء. وحينما ‏خطر له أنه فقدها ‏إلى الأبد، انتابه ‏خجل شديد. "متى ‏أتخلص من خجلي؟ ‏" لماذا لم ‏تهرم لحظة الخجل ‏كما هرم القلب؟ ‏ ‏"ولماذا ‏ظلت حية نابضة ‏ملء العين والفؤاد، ‏مؤلمة كجرح لا ‏يندمل؟"‏ ‏ وهاهو ‏حمقك يجرك بعد ‏عشرات السنين إلى ‏مكان جريمتك: فماذا ‏تبقى لك؟ ماذا تبقى ‏لك؟

وقال ‏لصديقه: "هلا ‏تناولنا العشاء في ‏ذلك المطعم الشهير؟ ارتسمت ‏على شفتي الصديق ‏ابتسامة أسيفة ‏ومذعنة، وقال في ‏شيء من التردد ‏واللامبالاة وهو ‏يصل فقرات حديثه ‏بفترات صمت ‏أطول:"ألا زلت ‏تذكر؟ إن ذلك ‏المطعم لم يعد قائما. ‏لقد حل محله ملهى ‏ليلي. لكنه ملهى لا ‏بأس به. "طوق ‏الحمامة"، هكذا ‏أسماه صاحبه. أما ‏الشارع فإنه لم يعد ‏كعهدك به

وأحجم قليلا ‏عن مواصلة الحديث ‏لكنه قال بعد هنيهة

ـ لقد أصبح ‏يكتظ بالملاهي ‏والحانات الرخيصة. ‏يسمونه الآن ‏‏"شارع البغايا". ‏

‏"طوق ‏الحمامة".. الإسم ‏المتلألئ بالأضواء، ‏وصخب الموسيقى ‏وتألق الرواد. تذكر ‏أول طبعة طالعها ‏من هذه الأطروحة ‏الخالدة. وتبدى له ‏الإمام الفقيه ناصحا ‏من خلف الستائر ‏الدمقسية التي ‏يزدان بها المكان ذو ‏الأجنحة الفسيحة ‏التي انتشرت فيها ‏المرايا وزينت ‏جدرانها برسوم ‏تفوح بعبق الأندلس ‏وحكايا ألف ليلة ‏وليلة

الحب، ‏أعزك الله، أوله هزل ‏وآخره جد. " وتذكر ‏كلمات الشيخ ‏العاشق: "وربما ‏اتبع المحب شهوته، ‏وركب رأسه، فبلغ ‏شفاءه من محبوبه، ‏وتعمد مسرته منه ‏على كل الوجوه، ‏سخط أو رضي، ‏ومن ساعده الوقت ‏على هذا وثبت ‏جنانه، وأتيحت له ‏الأقدار، استوفى ‏لذته جميعها، وذهب ‏غمه، وانقطع همه، ‏ورأى أمله، وبلغ ‏مرغوبه."‏
في صمت، ‏تابع فقرات ‏البرنامج. وكانت ‏عيناه تتفقدان ‏المكان الذي لم يعد ‏يحمل من آثار ‏الماضي سوى عبق ‏الذكرى والحنين إلى ‏زمن مندثر. ومضات ‏من رحلة العمر ‏الطويلة تبرق في ‏مخيلته. وعلى ‏المسرح توالى ‏المهرجون ‏والمغنون ‏والراقصات ومقدمو ‏الفقرات المسلية. ‏عالم حافل بالحركة ‏والضجيج الذي يصم ‏الآذان. هؤلاء ‏المهرجون! ما أكثر ‏حركتهم وأوسع ‏حيلهم! في سرعة ‏عظيمة يخرجون من ‏باب ويدخلون من ‏باب آخر وقد غيروا ‏ثيابهم وأصباغهم ‏وأقنعتهم. استطاعوا ‏أن يجذبوا انتباه ‏بعض الرواد، بينما ‏البعض لم يعرهم أي ‏اهتمام. قال له ‏صديقه: لم يعد ‏الرواد يهتمون، لقد ‏حفظوا هذه الأدوار ‏عن ظهر قلب حتى ‏ملّوها.‏
حينما خرجا ‏إلى الشارع ‏صفعتهما برودة ‏الجو في تلك الساعة ‏المتأخرة من الليل. ‏كان الشارع هادئا ‏وخاليا إلا من بعض ‏البغايا اللائي انتثرن ‏في زواياه. وراح ‏يحملق في وجوههن ‏بحثا عن حبه القديم.‏

?