حتى وإن بدت النصوص الروائية عفوية فهى فى رأى الكاتب المصرى فتحى أبو رفيعة تظل الأكثر عمقا وصدقا فى تفسير السياق الاجتماعى والسياسى والفكرى والتاريخى للواقع الذى يتناوله الابداع. ويلخص الكاتب مفهومه للنص الابداعى بأنه "بمثابة خطاب ثقافى تفسيرى للواقع" وإن لم تخف النصوص التى اختارها أبو رفيعة تحيزات جمالية وثقافية حددت اختياره لما أراد الاحتفاء به من أعمال يتابعها على البعد حيث يقيم فى نيويورك. ويقدم أبو رفيعة فى كتابه "نقد الثقافة.. تطبيقات نقدية فى سوسيولوجية النص الروائي" قراءة نقدية فى 17 عملا صدرت فى السنوات الأخيرة باعتبارها نصوصا مراوغة "لا يكشف ظاهرها عما ينطوى عليه باطنها من دلالات وتوجهات. وعلى ما يصفه الفيلسوف الفرنسى جاك دريدا بالنص الآخر أو النص التحتى أو الثانوى الذى ينطوى عليه أى نص أساسي." صدر الكتاب عن المجلس الأعلى للثقافة بالقاهرة ويقع فى 247 صفحة متوسطة القطع ويلخص جانبا كبيرا من المشهد الروائى العربى بامتداد المسافة الفاصلة بين روائى غزير الانتاج تجاوز الثمانين وهو المصرى ادوار الخراط والاماراتية ميسون صقر التى صدرت لها رواية واحدة. كما لا يمكن ادراج الروايات التى تناولها المؤلف فى مدرسة أو تيار ابداعى واحد إذ يضم الكتاب فصلا عنوانه "محنة الانسان التاريخى فى حقبة ما بعد خرافة نهاية التاريخ" عن هموم وجودية تشغل المصرى جميل عطية ابراهيم فى روايته "المسألة الهمجية" إضافة إلى روح السيرة الشعبية فى رواية خيرى شلبى "زهرة الخشخاش" ورواية محكمة هى "قصر الأفراح" لمحمد عبد السلام العمرى وصولا إلى "أيام وردية" لعلاء الديب التى يقول المؤلف إنها "اعلان جديد عن موت المثقف". ويبدو أبو رفيعة فى كتابه واقفا فى مثلث تتماس أضلاعه مع النقد التطبيقى والنقد الثقافى الذى يتجاوز النص إلى الواقع وروح الابداع إذ صدرت له مجموعة قصصية عنوانها "بقايا العمر" وكتاب نقدى عنوانه "تفكيك الرواية". وفى مقدمة الكتاب يشير إلى دراسة عنوانها "النص والثقافة.. آليات التفسير" صدرت العام الماضى لدانييل كوتوم الذى قال "إن مهمة التاريخ هى الحفاظ على الماضي. أما النقد فينبغى أن يتجاوز مجرد تذكر الماضى وأن يعمل على استعادته بمزيد من التفاصيل والاكتمال. ولذلك فإن مهمة النقد يجب أن تكون تغيير الماضي. وينبغى لعملية النقد أن تظل فى حركة دائبة وأن تفسح المجال أمام القراءات المتعارضة وأن تشارك فيها بما يجعل سلطة النص دائما موضع شك." فعلى سبيل المثال يقول إن المصرى بهاء طاهر فى رواية "نقطة النور" تطرق بجرأة إلى قضايا شائكة وأمراض اجتماعية "بالغة الحساسية" كالاغتصاب والعجز الجنسى واشتهاء المحارم والمازوكية كسلوك جنسى وأنه "تغلغل فى نفوس أبطاله تغلغل المحلل النفسى البارع وعبر عن كل ذلك بلغة بالغة السمو وفى أسلوب عذب راق وكأنه يجدف بقاربه فى خضم بحيرة تبدو هادئة على السطح لكن أعماقها تمور بتيارات جارفة" كما وصف الرواية بأنها نص خادع يبطن أكثر مما يظهر. ويقول أبو رفيعة إن رواية طاهر "بردية مصرية لزمن الانكسار والعجز والحلول الوسط" حيث تتناول الرواية التحولات المفاجئة فى المجتمع المصرى فى السنوات الأخيرة حيث تعيش "كل شخصية من شخصيات "نقطة النور" مأزقها أو كابوسها أو ضعفها الخاص... ولكن الرواية تمثل البحث عن البطل-المثل بل إنها تتحول فى النهاية إلى بكائية ترثى غياب هذا البطل وهذا المثل." ويصف المؤلف رواية "شرفة الهذيان" للفلسطيني-الاردنى ابراهيم نصر الله بأنها "إعادة اختراع اللا معقول" وفى سبيل ذلك يكسر كاتبها أشكال السرد التقليدية باللجوء إلى استخدام الصور الفوتوغرافية والقصاصات الصحفية وقصائد الشعر ومجتزءات من سيناريو فيلم سينمائى أو مسرحية. ويقول إن ادراج هذه العناصر فى متن الرواية حيلة فنية أو أسلوب للسرد تتعدد فيه الوسائط "وهو أسلوب لم تعرفه من قبل الرواية العربية. وكان لهذه الصور الفوتوغرافية تأثيرها الفعال فى النص فى رسم الاجواء التى يريد أن يعبر عنها المؤلف. فالى جانب صورة سجن أبو غريب هناك صور هزت العالم وضمير الانسانية مثل صورة الطفل "الفلسطيني" الشهيد محمد الدرة وصورة اختراق الطائرات الانتحارية لبرجى نيويورك التى أطلقت شرارة عصر ما بعد الحادى عشر من أيلول سبتمبر 2001."
رويترز