سيظل دائما من المشاهد الأثيرة والمعبرة والمفعمة بالدلالات في قصّ محمد عبد السلام العمرى، بل وربما، على الإطلاق، في أدب الاغتراب الذي جاء تعبيرا عن هذه الظاهرة التي سادت السبعينات لأسباب اقتصادية أو سياسية، مشهد الختام في روايته البارعة "اهبطوا مصر". فقد كان ذلك المشهد تتويجا لمغامرة مثيرة خاضها بطل الرواية عمرو الشرنوبي، المعماري المصري الذي كان يعمل في بلد عربي نفطي، لكي يعود إلى وطنه، رافضا بإصرار ووعي كل المحاولات التي استهدفت تهميشه وكبح حريته وطمس هويته وإخضاعه لعسف الكفيل والسلطة والثقافة المحلية المهيمنة. وكان هذا الموقف هو جوهر تلك الرواية الفريدة الذي جعل من بطلها بطلا نموذجيا ورمزا للدفاع عن الذات والهوية الوطنية في مواجهة رياح التغيير وكل أشكال الضغوط. "صمت الرمل" هــي الجزء الثاني في متتالية "اهبطوا مصر"، ولا أقول ثلاثية أو رباعية، لأن هذا أمر لم يتضح بعد بالنسبة إلى القارئ، وربما بالنسبة إلى المؤلف نفسه، فهو يرصد قضايا مفتوحة ومتشعبة ومتجددة أبدا، وهي قضايا تتعلق بالفرد والأمة والثقافة والهوية. وتتشابك هذه القضايا على المستوى الأفقي مع اختلاف الثقافات الأساسية والخلفيات الاجتماعية الاقتصادية والعادات والتقاليد الراسخة، كما تتشابك على المستوى الرأسي مع التفاعلات الفردية للشخصيات البالغة الاختلاف فيما بينها من حيث تكوينها الثقافي والنفسي وخلفيتها الحضارية والأنثروبولوجية. نقطة البداية في "صمت الرمل" هي عودة عمرو الشرنوبي مرة أخرى إلى البلد الصحراوي الذي كان قد بذل المستحيل لكي يهرب منه ومن أسره. وعلى الفور ستشكل هذه العودة انتقاصا من المقومات الأساسية لشخصية هذا البطل وتراجعا أساسيا في العناصر المكونة لهذه الشخصية. ولذلك فإن المؤلف يحاول كثيرا أن يتجاوز هذا المنزلق سواء بالتبرير أو بالتساؤل: "هل كان حلما أم حقيقة؟ بدا مساقا بفعل قوى خرافية وهلامية، يحاول قدر إمكانه الإختلاء إلى نفسه، يطرح الأسئلة، يعزل مكوناتها عن بعضها حتى لا تتوه الرؤى وتتسرب الأحلام، ويعرف الدافع الحقيقي لمجيئه ثانية" ص19. لكنه كان قد قال بالفعل في مناسبة سابقة (عن عمرو الشرنوبي) أن حصاره كان قد استمر عاما وبعض العام، وتساوى لديه في لحظة ما العمل في أرض لا يرغبها ولا يحبها، مع عدم العمل في أرض يحلم بالموت في ثراها. وبناء على هذا الاعتقاد فقد تقدم لوظيفة أعلن عنها للعمل من جديد في ذلك البلد الصحراوي. عمرو الشرنوبي كما عرفه القارئ في "اهبطوا مصر" شخصية قوية، صعبة المراس، يختار دائما الطريق الصعب، لا يعرف المداهنة ولا المهادنة، لكنه في ذات الوقت ذو قلب رومانسي مرهف يضعف أمام الجمال الحسي والعقلي وينساق للعاطفة ونداء القلب. وهو أيضا شخصية انطوائية أو داخلية النزعة، يرى أن سر قوته يكمن في عناده ورفضه ووحدته. وهو أحيانا أسير خيالات وأوهام يصنعها بنفسه كأن يتصور أنه محاصر أو مستهدف من آخرين لأسباب لم يتمكن أبدا من توضيحها للقارئ. بهذه الشخصية المركبة يعود عمرو الشرنوبي إلى بلاد الرمل، حيث يقدم لنا محمد عبد السلام العمري ما يمكن أن نطلق عليه تنويعة أخرى على لحن "اهبطوا مصر". وسيتابع المؤلف في عمله الجديد مصير بعض الشخصيات التي عرفها القارئ في العمل الأول، وسيتعرف القارئ على شخصيات جديدة، لكن هذه الشخصيات عموما، قديمها وجديدها، تندرج في نفس الهيكل الذي حدده المؤلف في العمل الأصلي. وهذه الشخصيات تندرج تحت فئتين: فئة الذين يملكون، وفئة الذي لا يملكون. فئة الشيوخ والكفلاء وأصحاب المال، وفئة "الشغيلة" القادمين من مصر والسودان واليمن والهند وبنغلاديش وغيرها من البلاد غير البترولية التى انطلقت منها تدفقات الكفاءات والعمال المهاجرين صوب تلك البقع النفطية على خريطة الثراء المرتقب والمنشود.
وتكاد هاتان الفئتان أن تشكلا طبقتين متصارعتين. أما الطبقة الأولى، وهي طبقة الذين يملكون، فهي الطبقة المهيمنة التي تحاول أن تفرض إرادتها وقيمها وسلوكها على الفئة الثانية، الفئة التابعة. ولأن الفئة المهيمنة تملك مقاليد السيطرة، لأنها التي تمنح وتمنع، وتستقدم وتطرد، وتسجن وتعفو، ولأنها تعيش في بيئتها الأصلية، ثابتة مستقرة، فإنها قادرة بسهولة على فرض إرادتها على الفئة الثانية، وهي فئة مجزأة ومشرذمة، تتألف من عناصر بالغة التباين في خلفياتها الإثنية والفكرية وفي نظرة أفرادها للأمور وللأهداف التي يتوخاها كل فرد من أفرادها. ومن هنا فإن ذلك الصراع يأخذ مايسميه ميشيل فوكوه شكل "تعددية الصراعات الذاتية التي تتفاعل من خلال المستويات الجزئية في المجتمع". ولذا فهي تتجاوز قضايا الصراع الطبقي كصراع ذي طابع كلي إلى قضايا تمس "ذات" الأفراد المشتبكين في هذا الصراع، ويتحول النص إلى ما يمكن أن يطلق عليه "إثنوغرافيا سردية" تتناول حياة فئات متباينة من البشر وخلفياتهم الثقافية وسلوكهم الحياتي، ويتحول المؤلف إلى باحث إثنوغرافي مدقق ملقيا الضوء من وقت لآخر على جوانب بالغة الأهمية من "تاريخ" و "نفسية" و "تراث" و"طقوس" الشخصيات التي يتناولها. على أن السرد الإثنولوجي للعمري لا يتوقف عند حد تصوير "الحالة الميدانية" شأنه في ذلك شأن الباحث الإثنوغرافي أو الأنثروبولوجي، لكن براعته تتجلى في توظيف عناصر ونتائج هذه الحالات لخدمة عمله الروائي. وبينما هو في صلب عرض تقريره الميداني نراه يدلف فجأة إلى عرض جوانب شخصية لحياة العديد من الشخصيات الثانوية التي تعج بها الرواية، ويقدم إلى القارئ صورا إنسانية آسرة يملأ بها فجوات ذلك التقرير الميداني ويزيل جفاوته. ومن خلال هذا الأسلوب تعرف القارئ على شخصيات فصيل آخر من المهاجرين القدامي من الإخوان المسلمين الذين لاذوا بتلك البلاد هربا من بطش السلطة وسجونها. وفي سهراتهم في ليل الغربة يسترجعون بعض ما تعرضوا له من مآسي السجن والتعذيب والمهانة، ويكشفون عن الندوب التي خلفتها تلك الأيام على أجسادهم ونفوسهم.
ومما يرمز إلى هيمنة الفئة الأولي عبر النص مجازية السيف التي تؤرق الراوي. ففي زيارة عابرة لأحد أصدقائه المغتربين في ذلك البلد الصحراوي استلفت نظره سيف معلق على الحائط. ولدهشته عرف أن هناك مصنعا للسيوف افتتحه أحد الشيوخ، وأن له من السطوة ما يفرض على أي متعاقد أن يشترى هذا السيف وأن يعلقة، وإلا فقد يكون مصيره الترحيل من البلاد. أصبح مرأى ذلك السيف (ودلالته) هاجسا يؤرق عمرو الشرنوبي. وحينما هرب من مرآه عند صديقه وتوجه إلى إحدى المقاهي بوغت به أيضا معلقا أعلى "النصبة" مستقيم النصل. استطاع أن يقنع العامل اليمني بأن يحضر له السيف كيف يتفحصه. "لمح بعد أن أزال الأتربة كتابة باهته رغم أنها جديدة، حاول قراءتها، كتابة منقوشة وخط رديء، وكانت بين قوسين (العز في الطاعة والغنى في القناعة). ومع أن المقصود بالعبارة، عادة، أن العز في طاعة الله والغنى في ما قسم به، فإن استخدم الراوي لهذه المجازية، في هذا السياق، هو تأكيد لسلطة وهيمنة أخريين تفرضهما فئة مهيمنة على فئة تابعة.
وقد تعرض الراوي نفسه للكثير من أشكال التعسف من قبل هذه السلطة المهيمنة، واقتيد اكثر من مرة إلى مخافر الشرطة لادعاءات وهمية بأنه يخرق قوانين البلد، لكنه سرعان ما يخلى سبيله إثر تدخل، في إحدى المرات، من إحدى السيدات ذوات النفوذ في ذلك البلد، وهي رئيسة ممرضات مصرية استطاعت أن تجعل من نفسها مركز قوة مستعينة في ذلك بكل الأساليب التي أتاحها لها جمالها وقوة شخصيتها. وبالمناسبة، فإن هذه الشخصية النسوية هي واحدة من العديد من الشخصيات النسوية التي تتناولها الرواية واللائي حققن لأنفسهن وأزواجهن الثروة والاستقرار، وربما الجنسية، نتيجة للدخول في شبكة علاقات اجتماعية وجعل أنفسهن "سلَّما للأحلام". يقول الراوي: "عرِفَ لم بعض هؤلاء الممرضات طاغيات وساحرات. يتزوجن لممارسة الأمومة وللحفاظ على الشكل الاجتماعي. لا يتزوجن إلا الذين يرون فيهم سلما للصعود والتعرف إلى الطبقات العليا من المجتمع."
اختلط عمرو الشرنوبي بهذا الوسط بحكم عمله في بناء المستشفيات والرسوم المعمارية لكبار المسؤولين. لكنه يقع في حب سناء الفنانة الرسامة، مدرسة التربية الفنية. وكان قد تعرف على والدها في إحدى الحدائق العامة. وقد قامت بينهما صداقة وطيدة قررا بناء عليها أن يرتبطا بالخطوبة. وكان ذلك إبان اتفاقات كامب ديفيد، وحملة المقاطعة ضد مصر. ويبدو أن مجاهرة سناء بالدفاع عن بلدها كلفتها وظيفتها. وفوجئ عمرو الشرنوبي بترحيلها من البلاد.
ومثلما يتصدى عمرو الشرنوبي لأحوال هذه الفئة الواردة بكل ما تنطوي عليها من خصال، فهو يتعرض أيضا لفئة "الذين يملكون"، الشيوخ، أصحاب المال، أبناء البلد المتحكمين والمهيمنين والذين لا يقبلون إلا بما يريدون. حكت له سناء ما علمت عن شروط الخضوع والخنوع وعن المحظورات التي يجب أن يبتعد عنها الفن المصري حتى يسمح له بالتداول في تلك البلاد. وكجزء من تركيز المؤلف على الطابع والسمات والطقوس الثقافية التي تميز أهل ذلك البلد، تحفل "صمت الرمل" بالكثير من الحكايا التي تلقي الضوء على حياة هؤلاء الناس وعاداتهم وتقاليدهم. والانطباع العام الذي يخلفه تناول المؤلف لهذه العادات والتقاليد هو أنه انطباع رافض لسلوكيات هذا المجتمع وللكثير من عاداته وتقاليده. وفي معالجة مسألة العادات والتقاليد والمسلك الثقافي لمجتمع ما فإن القضية التي تفرض نفسها هي قضية قبول الآخر أو رفضه ووجوب ألا تخضع هذه القضية لاعتبارات فردية أو ظروف نفسية معينة، فهناك الكثير من التصرفات وضروب السلوك التي تكون مقبولة في حضارة ما ولا تقبل بها حضارة أخرى.
وكمثال على ذلك فقد أفاض الراوي إلى حد يثير غثيان القارئ في ولع "الشيخ" باقتلاع عيون الصقور وطهيها وتناولها، لما يتنسمه في هذه الوجبة "من سرعة البديهة والذكاء بعد أن يقوم بفرزها وانتزاع عيونها عنوة إثر ربطها." لكن تجربة الشيخ في تدريب الصقور وترويضها هي تجربة دالة لعلها تجسد في النهاية تجربة عمرو الشرنوبي في رحلة عودته إلى بلاد الرمل. يقول الراوي: "يعاود الشيخ تدريباته (مع الصقر) حتى يستأنسه ليصبح طائرا مطيعا. نسي السماء والانطلاق، وتعامل مع مصيره بشهامة." وللأسف، فإن هذا هو المصير الذي آل إليه عمرو الشرنوبي في آخر الرواية وتحول إلى صقر مدجن. يدل على ذلك المقارنة بين الصفحات الأخيرة في "اهبطوا مصر" حيث عمرو الشرنوبي يلهث في العودة إلى وطنه عزيزا مكرما، بينما هو في "صمت الرمل"، بعد أن اقتحمت الشرطة مكتبه ومنزله، ربما لعلاقته السابقة بسناء، وحطمت محتوياتهما وما بهما من لوحات لها، نراه خائفا مرتعدا مذهولا. "فكر في تصفية المكتب أو التنازل عنه. هل سيسمح له أبا الخير بالرحيل أم أنه واهم؟" ويكون قراره في النهاية أنه "لن يطلب مغادرة البلاد والأمور هكذا منهارة وفي الحضيض. لن يرحل إلا بعد إعادة الأمور إلى نصابها." الصقر القديم لم يعد يقوى على الطيران.
"صمت الرمل"، بكل صراعاتها ومثالب شخصياتها واختراقها لعالم شديد الانغلاق والخصوصية، وكشفها عن ضروب صارخة من العلل الاجتماعية التي يفرزها مثل هذا المجتمع، من شهوة السلطة والهيمنة وفرض إرادة الذات (وبخاصة ضد الأجنبي)، إلى سطوة النساء والجنس والثروة، واختطاف واغتصاب الأطفال، والبزخ الصارخ، والفقر الشديد، وسوء استغلا ل الثروة، واستغلال المهمشين وكسر إرادتهم، هي في كل ذلك عمل مقلق حتى النخاع، وقد تجسد هذا القلق بقوة في شخصية بطل الرواية عمرو الشرنوبي، واستطاع العمرى ببراعة قص ـ تجلت بشكل خاص في هذا العمل ـ أن ينقل هذا القلق إلى القارئ لحظة بلحظة دافعا به أحيانا إلى ذروات (ممتعة فنيا) من التوتر والانقباض والغثيان. كما استطاع أن يسيطر على شخصياته والتحكم في تصرفاتها ورسم سلوكها وضمان اتساقها وتطورها خلال هذه العملين الكبيرين. مقتطف من "صمت الرمل" "قال أحدهما: مصرى أنت؟ قال: نعم. قال له بلهجة مصرية: آه ياقفل!! انتبه إلى ضحك الآخر قائلا بلهجة باكستانية: "مخ مافي". ثم قال الثاني: فتح مخك ياأخ. إيش مهندس؟ ظهر تردده واضحا. تقترب الساعة من الواحدة صباحا. يعرف مقدار القوة الجاهلة والغاشمة للعسكر البدو. إنهم يعادلون الهجانة المصريين الذين لم يرهم لكنه سمع عنهم كثيرا. لكنه يراهم الآن مجسدين، واقفين أمامه، يتهمونه بالغباء. استعان بمخزون طاقته من الصبر والهدوء والسماحة، فلا تصلح المعاملة الندية والمتحضرة مع هؤلاء، وقد عرف أن هذا الفراغ وهذا الصمت يجعل الإنسان هكذا تافها، ليس لديه مخزون من الحكمة أو العقل أو الثقافة، أو حتى مراعاة شعور الآخرين. انتبه في تلك اللحظة فقط إلى أن بإمكانهما إيداعه السجن حتى يظهر له صاحب، كما قالا. عندما أخرج حافظته قال أحدهم: دا احنا اللي دهنا الهوا دوكو. وقال الآخر: دا احنا اللي خرمنا الغربال. يتكلمون بلهجة مصرية تشوبها لكنة بدوية. إنتبه إلى مونيتور صغير موضوع أعلى سيارة أحدهما يذيع إحدى مسرحيات عادل إمام."