هل أصبح العالم مكانا تستعصي الحياة فيه؟ هل أصبحت الغلبة للأقوى ولم يعد للضعفاء أن يرثوا الأرض التي وعدوا بها؟ هل سادت أفكار العولمة والحداثة ونهاية التاريخ حتى قبل أن يتوصل الناس إلى حد أدنى من توافق الآراء حول معانيها وكنهها؟ وهل أصابت الفوضى تاريخ العالم فبشر بعضهم، أو أنذر، بنهايته، وأصبحت المجازر البشرية، وحروب الإبادة، وانتهاكات حقوق الإنسان، والاستنساخ، والهندسة الوراثية، وبطش القوى الكولونيالية الجديدة، ونهب الثروات الوطنية (حتى على يد الوطنيين أنفسهم)، وهدم قيم الماضي، هل أصبح كل ذلك سمة من سمات الألفية الجديدة؟ وإذا كان الأمر كذلك، فما هو السبيل إلى الخلاص؟ هل يكون ذلك بالتشبث بالماضي وصونه والبناء عليه، أم بالتخلص منه والعودة إلى حالة بدائية، ولو كان ذلك من خلال طقس طوطمي ووهمي يتخذ شكلا من أشكال الخرافات والميثولوجيا التاريخية من قبيل حرق الآثار أو إلقائها في اليمّ درءا لما يمكن أن يحل به وجودها من كوارث، أو طلبا لما يمكن أن يجود به التخلص منها من نعيم وازدهار؟
تعكس هذه التساؤلات بعضا مما تغص به صفحات ”المسألة الهمجية“، أحدث أعمال الروائي المرموق جميل عطية ابراهيم، التي صدرت مؤخرا عن دار ميريت للنشر والمعلومات بالقاهرة. وتقدم الرواية، من خلال تجربة رومانسية ذاتية، رؤية فلسفية حداثية لواقع عالمي ومحلي مقبض ومستقبل بلا ملامح. وسيتأكد من جديد لقارئ ”المسألة الهمجية“ الطابع الذي يتسم به دائما البطل الرئيسي في مجمل أعمال جميل عطية، وهو البطل المثقل بهموم واقعه، المشتبك دائما مع تراثه وماضيه، سقراط الذي لا يكف عن طرح التساؤلات والافتراضات بحثا عن الحقيقة النهائية .
والبطل الرئيسي في ”المسألة الهمجية“ هو نبيل سعيد، الباحث والمحقق في التراث والناشط في الدفاع عن قضايا حقوق الإنسان. يعيش نبيل سعيد في الخارج بصورة شبه دائمة. ويضطر إلى الحضور إلى القاهرة لاسترداد شقته التي استولى عليها صاحب العقار، والتي عُثر فيها على جثة ابن صاحب العقار هذا مشنوقا. ويمكن اعتبار ”المسألة الهمجية“ بمثابة دفتر أحوال لهذه الزيارة التي ربما لم تستغرق سوى بضعة أسابيع لكنها كانت حافلة بالأحداث سواء على المستوى الشخصي لبطل الرواية، أو على مستوى التطورات السياسية في المنطقة، وكان أبرزها مذبحة جنين في الأرض المحتلة، وجهود التحقيق والإغاثة الدولية في وقت ضرب فيه العدو عرض الحائط بكل الأعراف والقوانين الدولية وخاصة اتفاقيات جنيف. وحينما يسأل بطل الرواية رئيس لجنة الصليب الأحمر الدولية عن وضعية الأرض المحتلة في ظل هذه الاتفاقات، يقول له إن شارون يعتبر الأراضي الفلسطينية أراض متنازع عليها ولا تخضع لهذه الاتفاقيات. ”هكذا ببساطة وضعت الأراضي المحتلة خارج نطاق الشرعية الدولية. لا قانون دوليا ولا أخلاقيا؟ بينما اتفاقيات جنيف هي آخر خطوط الدفاع لتنظيم همجية الإنسان“، يكون تعليق نبيل سعيد في القاهرة التي عمتها المظاهرات والإضرابات احتجاجا على استمرار الاجتياح الهمجي الإسرائيلي .
كانت أحداث جنين جانبا من المواجع التي ألمت بنبيل سعيد ووافق موعدها رحلته إلى القاهرة التي أتاها بقلب مفتوح، آملا في استعادة شقته المغتصبة من صاحب العقار الذي عُثر على ابنه مشنوقا فيها. وكان هذا الابن، وهو عالم في الكيمائيات قد حول الشقة إلى معمل لتجارب إشعاعية ونووية خطيرة. وأدت التعديات التي قام بها إلى طمس آثار الشقة وتغطية جدرانها بجدران سميكة من الصلب، ووضع صنابير للمياه في غرفة المعيشة. باختصار، أصبحت شقة ملوثة بالنفايات الذرية والإشعاعات. أما لماذا وجد الابن مشنوقا، فالأب يبرر ذلك بأن ابنه قتلته معادلة رياضية مجردة فشل في حلها، فانتحر. وهذا بالطبع، في رأي نبيل سعيد، مجاف للملابسات الحقيقية وراء هذا الحادث. يسعى كمال الأغبر جاهدا إلى الحصول على تنازل من نبيل سعيد عن الشقة. يستعين نبيل سعيد بمحاميه الذي ينصحه باللجوء إلى النيابة وعدم التنازل أو التعامل أساسا مع كمال الأغبر .
ما أن تطأ قدما نبيل سعيد الشارع في أول يوم من أيام زيارته إلى القاهرة حتى تنطلق الأسئلة من رأسه في كل اتجاه: ”من أين يأتي كل هؤلاء الناس؟ هل هم راحلون أم عائدون؟ قضبتان تشغلاني: قضية شقتي المغتصبة التي تنظرها المحاكم منذ سبعة عشر عاما، وقضية أخرى تتعلق بالمحكمة الجنائية في روما بشأن محاكمة مجرمي الحرب.“ هكذا تصور نبيل سعيد في أول يوم من أيام رحلته إلى الوطن قادما من غربة طويلة أجهدته. لكنه وجد في مكتب المحامي مفاجأة غيرت كل حساباته .
يتعرف نبيل في مكتب المحامي على سلمى مرجان، أستاذة جامعية شابة، كانت قد سمعت عنه من قبل وسمع عنها. تدعوه إلى فنجان قهوة. تمر عليهما الساعات في أحد المقاهي الأدبية. يدعوها إلى زيارة صديق فنان في نفس الحي، لا تمانع. تنطلق بينهما شرارة الألفة والقرب والمودة. وتبدأ قصة حب صاخبة ومثيرة بين المحقق الكهل وأستاذة الأدب، الشاعرة الشابة التي تصغره بأكثر من خمسة وعشرين عاما (أو بين ”المحقق والوردة“، وأظن أن هذا هو العنوان الذي فكر جميل في البداية، حسبما نشر، في إعطائه لهذه الرواية ).
وهكذا يتحدد المحوران الرئيسيان اللذان تدور حولهما أحداث ”المسألة الهمجية“: محور نبيل/كمال الأغبر، ومحور نبيل/سلمى. يضاف إلى هذه الشخصيات الرئيسية الثلاث شخصية رئيسية أخرى هي شخصية الرسام الذي استضاف نبيل وسلمى في يوم لقائهما الأول، والذي بدأ في رسم لوحة شخصية لسلمى. و ”المسألة الهمجية“ هي نتاج التفاعل بين هذه الشخصيات الرئيسية وشخصيات ثانوية أخرى في ظروف واقع محلى ودولي متغير .
ورغم التردد الذي اتسمت به العلاقة بين نبيل وسلمى من البداية بحكم اختلاف الأجيال والمفاهيم، إلا أنه مع الصفحات الأخيرة للرواية، ربما بفضل ما جمعهما من حوارات مستفيضة ومتعمقة ومن لقاءات صريحة وحميمية، نجدهما قد حققا التوافق الكامل عاطفيا وفكريا، حتى أن سلمى ترضخ في النهاية لمطالب نبيل الغريبة بأن يحرق الملابس التي كانت ترتديها قبل تاريخ معين (هو تاريخ لقائهما). وتسيطر عليه هذه الفكرة على نحو دفع بالرواية إلى أن تتخذ شكلا من أشكال الواقعية السحرية التي تخلط الواقع بالخيال والخارق للطبيعة (شُغل غارثيا ماركيز، حسب تعليق سلمى مرجان في حوار مع نبيل سعيد). لكن الرواية، في جانبها الآخر، تنتهي دون حل للنزاع بين كمال الأغبر ونبيل سعيد .
على أن هذه الخطوط العريضة والبالغة التجريد والمكثفة قدر الإمكان لفحوى ”المسألة الهمجية“ هي مجرد إطار نظري للرواية، هو، في ظني، أبعد ما يكون عن فحواها الحقيقية والأبعاد الفعلية التي تتغياها. فـ ”المسألة الهمجية“ هي تجل آخر من تجليات جميل عطية إبراهيم التي لا سبيل إلى فهمها الفهم الصحيح ما لم ينظر إليها بالمعايير التي تحكم فكر جميل ومشروعه الأدبي المتماسك وعميق الدلالات .
وبداية، لابد من التأكيد مرة أخرى على الطابع الفكري الذي يتسم به دائما البطل الرئيسي في كل أعمال جميل عطية. ويمكن القول بأن هذا البطل، في أعمال سابقة بقدر ما هو أيضا في ”المسألة الهمجية“، هو كائن تاريخي، أو ما يسمى في علم الإنسان homo historicus. ويعتبر فلاسفة علم الإنسان أن هذا الإنسان التاريخي هو وحده القادر على تنظيم الفوضى التاريخية وتوضيحها، وأن الرؤية الإدراكية للماضي، التي هي من سمات الكائن أو الإنسان التاريخي، هي التي تضفي على الإنسان العاقل صفة البشر، كما أن طبيعة الإنسان، بوصفه كائنا تاريخيا، هي التي تجعله قادرا على تراكم المعرفة الجماعية التي ينطوي عليها الماضي. وهاهو جميل عطية يواصل في ”المسألة الهمجية“ ما دأب عليه في أعماله السابقة من تركيز على قوة الأحداث التاريخية في العمل الروائي، أي أثر الحقيقة التاريخية على الخيال الروائي، وجعل التاريخ دائما خلفية لتفكيره .
و ”المسألة الهمجية“ حافلة بالأدلة على هذا الربط التاريخي. فحينما يتحدث نبيل سعيد عن سلمى، لا يملك القارئ إلا أن يربط حديثه عنها بالحديث عن الوطن وواقعه ومستقبله: ”ابتعدت الدكتورة سلمى عني، وجلست في ركن معتم من الصالة على الأرض، وحيرتها ظاهرة، تتأمل جدران الشقة والأثاث والسجاد القديم. تربعت على الأرض مثل فلاحة، وشغلت نفسها عني. تشبثت في جلستها بالأرض، وهي لا تكف عن لمس الأشياء، تبحث عن ركيزة لتستند إليها، تميل، تحرك رأسها وتمد يدها وتمسك بالأشياء. تناولت طرف سجادة، وأخذت تفحص العقد، قالت: سجاد قديم. قلت: من مجموعة نادرة، حصل عليها في الخمسينات كما أعتقد . …
”كنت أظنها قد نسيت المسألة، لكنها كانت تفكر فيها. وهذا منطقي، ويتسق مع طبيعتها وشخصيتها، بالإضافة إلى أنه من المنطقي أن تفكر فيها، وبعمق أيضا، فالمرأة لم تعد تقف على أرض صلبة. انهار عالم ظنته في البداية يخصها قبل أن تمسك به… أحسست بخوفها، ويبدو أنها لم تقو على الوقوف فأسرعت بالجلوس على الأرض. الكراسي لم تعد توفر لها الأمان. تجلس وتميل بفخذيها وتلمس بهما الأرض، تثبث فخذيها في الأرض لعلها تلتصق بها. كنت أعرف، وقلت: هل رأت سلمى شيئا بعد؟“ (هل رأت سلمى شيئا بعد؟ سؤال لا تخفى دلالته ).
وإمعانا في ”وصفة“ الواقعية السحرية الغارثية، يركز جميل عطية في ”المسألة الهمجية“ على لعبة رمان البلي، وهي كرات معدنية ذات استخدامات صناعية (وقد تكون كرات زجاجية يلعب بها الأطفال)، والتي يقوم الرسام ببعثرتها في الشقة، ويطلب إلى نبيل وسلمي جمعها، ليقوم الرسام ببعثرتها من جديد، إلى أن يكلَّ نبيل من المجهود الذي بذله في جمع الكرات، ويتساءل عن السبب وراء قيام الرسام بهذه اللعبة الغريبة. وحتى نهاية الرواية لا يقدم المؤلف تفسيرا لهذه اللعبة التي تبدو ضربا من المعاناة السيزيفية (نسبة إلى سيزيف الذي حكمت عليه الآلهة برفع كتلة من الحجارة إلى قمة جبل، وما أن تصل إلى القمة حتى تنزلق إلى السفح من جديد، وتصبح معاناة سيزيف معاناة أزلية). ” مع تدحرج حبات البلي في الغرف المغلقة، بدأت الدكتورة سلمى تتقلب وتغير موضعها ولا تهدأ في موضع ثابت. تقعد، تقوم، تقترب من النافذة ثم تبتعد عنها وتتربع على الأرض. تسقط أٍشعة النهار الذهبية على ملابسها، تتوهج ألوانها. يحترق قلبي .“ وبالطبع فإن لعبة الرمان بلي نفسها لعبة مجازية وتعبير عن القلق وعدم الاستقرار. تسأل سلمى نبيل سعيد وهي تتسمع دحرجة البلي في الشقة العتيقة: ألا تسمع شيئا؟ يكذب عليها قائلا: لاشيء. الشقة هادئة، أليس كذلك؟ تنظر إليه في توجس وجسدها ينتفض. تسدد إليه نظرات قاتلة. نبيل سعيد يكذب؟ قال مستسلما: نعم، أنا أكذب. قالت في غضب: لم نتفق على الكذب. ألا تسمع ما أسمعه. أصبت بالصمم؟ طرشت فجأة؟ تعلقت بذراعي وأخذته في حضنها، قالت لا تخف. كنت لا أزال في حيرة من أمري ولم أعتذر لها عن سقطتي، وقررت أن أعتذر لها في وقت لاحق،عندما نفيق من هذا الكابوس .“
وهكذا، فإن هناك دائما في ثنايا النص نصا آخر، النص الثانوي أو التحتي الذي يصر عليه ديريدا. ومن خلال هذا التداخل النصي يربط المؤلف بين أحداث خاصة وأحداث عامة، بين الواقع الشخصي للراوي والواقع الأوسع نطاقا للوجود السياسي والاجتماعي حوله. وهاهي سلمي، التي رأينا البطل يحدثها في البداية وكأنه يخاطب وطنا مهددا وغير مستقر، تحمل هذه الصورة على امتداد النص الثانوي. ومن خلال اللوحة التي يرسمها لها الفنان، صديق الراوي، تبدأ رحلة نهوضها وانبعاثها الجديد الذي يتوق إليه الراوي. ”رأيت بداية الرسم، وأود رؤية الولادة الحقيقية، فالساعات الأخيرة هي أعظم اللحظات حينما يحط الجمال على اللوحة مع آخر ضربة للفرشاة، ويكتمل الخلق، وتكتسب اللوحة وجودها بعيدا عن الرسام .“ بل إن المفاوضات المضنية مع كمال بك الأغبر الذي اغتصب شقة الراوي تعكس مفرداتها وشخوصها دلالة تتعدى هذا النطاق الشخصي. ورغم أن محامي الراوي نصحه بعدم التفاوض معه، فقد قرر الراوي في النهاية التصالح مع هذا الأغبر، وربما التنازل عن الشقة، لكنه يلوم نفسه أحيانا على تعامله مع هذا العدو قائلا إنه ”يقتلني بطريقة حديثة. رجل ليس من معارفي ومن أشد أعدائي، لماذا ألتقي به من أصله؟ أجلت البت في المسألة، فأنا لن أخسر أكثر مما خسرته، والوقت في صالحي، وأنا دوما أراهن على القادم من الأيام .“
بطل ”المسألة الهمجية “ ”مغترب أزلي“، وهي التسمية التي اقترحت سلمى إطلاقها على لوحة يرسمها له صديقه الفنان. وهذا الشعور الغائر بالغربة سيلازم البطل، والقارئ، على صفحات الرواية من بدايتها إلى نهايتها. وسيسعى نبيل سعيد كثيرا إلى أن ينفض عن نفسه هذا الشعور المقبض، حتى وإن كان من خلال ابتسامة ودودة من بائعة فل عابرة: ”أخذتني مدينتي بالود، وفارقتني غربتي. تخلصت من قضاياي السخيفة والغريبة التي ترهقني مع كلمات سلمى وهي تقول: تعرفني منذ سنوات عديدة .“
وحينما يخلو نبيل سعيد إلى نفسه، ”ممسكا بوحدته“، على حد تعبيره البالغ الشفافية، يشعر بتكلس الغربة في داخله، ويسعى إلى الانطلاق خارج هذا الأسر :
”حاضري يتسرب نقطة نقطة. يذوب كموج البحر على شاطئ النسيان، ولا يتبقى لي سوى الماضي، وقد تسرب هو الآخر. في جنيف لم أصنع حاضرا لي. تركت نفسي لأيامي الماضية، بحثا عن القادم الذي تخيلته كنسمة الفجر الندية، وللأسف لم يأت ذلك القادم أبدا .“
”ذهبت إلى المدينة القديمة أتلمس خيالاتي الضائعة في سراديب ذاكرتي. كنت طوال السنين أظن أنها في أمان في داخلي، ثم طحنتها أيامي. نفضت غبار الحذاء، وضربت حافة البنطلون، وجلست في مقهى حقير في زقاق ضيق. طلبت الشاي الأخضر بعيدا عن المقهى الشهير في منطقة الحسين الذي تتردد عليه سلمى ورفاقها من المثقفين. جئت إلى منطقة الحسين المزدحمة أبحث عن ذاتي .“
لا تكف سلمى عن إثارته بين الحين والحين بقولها: ”جيل 67 لا يحق له الكلام في السياسة“. يختلط الحديث عن اللوحة بالحديث عن الواقع العربي الراهن: ”الحصار مفروض على عرفات وعلى الشعب الفلسطيني، عمليات إبادة على نطاق واسع، جرائم حرب ترتكب في المدن والقرى الفلسطينية، الصور على شاشات التليفزيون وفي الصحف، الناس تحس بالهزيمة، والحكام العرب يتشاورون ويؤكدون رغبتهم في السلام مع شاورن. لم يتبق سوى القيء والسعال.“ يغرق نبيل سعيد في تأملاته: "هي لوحة لم تكتمل: قدم وعين وسنة بيضاء. سلمى جمال وعقل راجح. لماذا أسقط الفنان بقية أجزاء الجسد؟ الجنين لم يكتمل. هي هجمة وحشية تأخذ دورتها قصرت أم طالت، وبعدها يتشكل الجنين وينزل من رحم الأيام. سنوات الستينات لم تكن كلها هزائم. نعم. قلت ذلك لنفسي وتضايقت . هو العجز العربي المحبط الذي يمنعني من الكلام. تأملت اللوحة عن قرب. خطوط خفية لم تتأكد ترسم مسارات إضاءة لم تبزغ. تفاءلت. لن تكون لوحة مقبضة .“
في ثنايا ”المسألة الهمجية“ سيطرب القارئ لحكايا المغترب الأزلي التي يدسها بنعومة داخل النص. حكايات قصيرة ربما لا تستغرق فقرة أو فقرتين لكنها حكايات شجية وداعمة للجو النفسي القاتم الذي يعيشه نبيل سعيد، ولا بأس من الإشارة إلى واحدة فقط من تلك الحكايا: ”تعلم هانز فوجلي السباحة والجري وألعاب القوى وتخطى الحواجز والقفز فوق النيران وتسلق الجبال. تعلم كل ذلك من أجل البقاء معلقا في الجو. وسقط بطائرته على أسلاك كهرباء الضغط العالي في سفح جبال مورين بعد حديثنا بأربع ساعات. بكيته. أعطاني قبل موته عنوانه وأرقام تليفوناته والفاكس وعنوان البريد الاليكتروني الخاص به. مدني بكل وسائل الاتصال به، وبعدها مات. مزقت الورقة عند وضع جثمانه في سيارة دفن الموتى. مزقت الورقة وشيعته إلى الأبد .“
حكايات سريعة أشبه بأحلام فترة النقاهة المحفوظية، ولا عجب فالرواية تتضمن مايشكل مداخلة بين المحقق والوردة عن نجيب محفوظ نفسه رأت فيها الباحثة الحديثة أن نجيب محفوظ أغلق الحارة على حركة الأدب في الخمسين سنة الماضية "بالضبة والمفتاح". لكن نبيل سعيد يرى أن قولها "عدوانيا وغريبا شديد الغرابة" وأن عمنا نجيب محفوظ فتح أبواب الأدب وشق طرقا جديدة في السرد، وعلمنا قراءة الرواية الحديثة. ويتذكر نبيل سعيد، وهو هنا المؤلف نفسه، أنه قال ذات مرة إعجابا وليس نقدا، إنه حبيس حارة جدنا نجيب محفوظ .
يقول جميل عطية إبراهيم على لسان نبيل سعيد: ”لأن حاضري به الكثير من الدم المسفوك والماء الآسن، نظرت إلى قاع البئر أنبش عن جواهري وأبحث عن دعائم عمري، فقبضت على الكثير من الصدف والرمال والدم المسفوك، والقليل من الجواهر.“ وفي الفصول الأخيرة من الرواية، يلقى جميل بشباكه في بحار عميقة ومترامية الأطراف ويشد قارئة إلى دوامة من الأحداث الاجتماعية بين المهمشين الذين يعيشون وسط المقابر، وحادث اغتصاب تعرضت له بائعة الفل التي تعرف عليها في بداية زيارته، ويغرق البطل في رؤى كابوسية تختلط فيها العناكب وقناديل البحر وكثبان الرمل والساعات المكسورة بدوي المدافع والقنابل النووية ونجمة داود .
وعلى لسان نبيل سعيد أيضا ينقل جميل إلى القارئ جوانب من خلاصة رؤيته للأحداث والتاريخ، فهو يقول: التاريخ دوما ملبد بقليل من الحقائق وكثير من الأوهام؛ كل إضاءة تصنع ظلالها وتعيد تلوين الألوان، وتكشف عن الوجه الآخر من الواقع؛ تبينت أن كل مااعتقدت بكذبه في سابق أيامي كان صحيحا، وأن معظم أوهامي كانت حقائق، واختلطت أوراقي . في ”المسألة الهمجية“ تتحول سلمى إلى معادل موضوعي لوجود البطل وهويته، ولذلك فإنه يصر على أن يصنع منها أسطورة كي تبقى ويكتب لها الخلود: ” على يديها رأيت مولد الخرافة بيننا. لا بأس. اللعب بالكلمات ليس عيبا، وكل أٍسطورة لها وظيفة. سرت إلى جوارها مهموما وقد ثقلت مخاوفي وزادت عن قدرتي على احتمال مكاره جديدة. ألوان ملابسها طلاسم وتعاويذ. وإذا أردت إنقاذها، لا بد من حرق ملابسها، ونزولها عارية في النيل لتغتسل. رفضت حرق هذه الملابس في الحمام أو في الشرفة، أو فوق السطوح. يجب حرق هذه الملابس في منطقة أثرية تليق بها. هذا حفل. لنصنع أسطورة القرن الحادي والعشرين على طريقتنا .“
”المسألة الهمجية“ بيان جديد للناس، يتجاوز المحلي إلى العالمي، ويحمل صفات المانيفستو الكوني، نسبة إلى الرؤية الكونية التي لا يمل جميل عطية إبراهيم الدعوة إليها والسعي إلى تطبيقها في أعماله. ولذلك فقد جاء هذا البيان جامعا ومكثفا كي يلم بكل الأنواء التي تواجهها البشرية في واقعها الراهن. ولأن هذا البيان وظف الأسطورة والخرافة أو اختبأ وراءهما، فقد جاء أيضا مراوغا وملتبسا. لكن اعتراف المؤلف بأن ”اللعب بالكلمات ليس عيبا، وكل أسطورة لها وظيفة “ هو المفتاح أو طوق النجاة الذي يلقي به إلى القارئ لفك أسرار هذا العمل العظيم والاستمتاع به .
------------- (9) انظر، Jacques Derrida, The Gift of Death, the University of Chicago Press, 1995, p. 41